محمد حسين هيكل

243

حياة محمد ( ص )

دائرة نفوذ الإمبراطوريتين . وكانت حياة العرب وقفا على التجارة مع اليمن ومع الشام ، فكانوا بذلك محتاجين أشدّ الحاجة إلى مصانعة كسرى وهرقل جميعا حتى لا يفسد بسلطانهما عليها تجارتهم . ثم إن العرب لم يكونوا يزيدون على قبائل تشتد الخصومة بينها حينا وتهدأ حينا آخر ، ولا تربط بعضها ببعض رابطة تجعل منها وحدة سياسية تستطيع أن تفكر في مواجهة نفوذ الدولتين العظيمتين . ولذلك كان عجيبا أن يفكر محمد يومئذ في أن يرسل رسله إلى الملكين العظيمين وإلى غسّان واليمن ومصر والحبشة يدعوهم إلى دينه ، دون خشية لما قد يترتب على عمله هذا من نتائج ربما تجرّ على بلاد العرب كلها الخضوع لنير فارس أو بزنطية . رسل محمد إلى الملوك والأمراء لكن محمدا لم يتردّد في دعوة هؤلاء الملوك جميعا إلى دين الحقّ . بل خرج يوما على أصحابه فقال : « أيها الناس ، إن اللّه قد بعثني رحمة للناس كافة تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم » . قال أصحابه : « وكيف اختلف الحواريون يا رسول اللّه ؟ » قال : « دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه ، فأمّا من بعثه مبعثا قريبا فرضي وسلّم ، وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل » . ثم ذكر لهم أنه مرسل إلى هرقل وكسرى والمقوقس والحارث الغسّاني ملك الحيرة والحارث الحميري ملك اليمن وإلى نجاشي الحبشة يدعوهم إلى الإسلام . وأجابه أصحابه إلى ما أراد . فصنع له خاتما من فضة نقش عليه : « محمد رسول اللّه » وبعث بكتبه يقول فيها ما نضع منه مثلا أمام القارئ كتابه إلى هرقل إذ جاء فيه : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . من محمد عبد اللّه إلى هرقل عظيم الروم . سلام على من اتّبع الهدى . أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام . أسلم تسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين . فإن تولّيت فإنما عليك إثم الأريسيّين « 1 » . « يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألّا نعبد إلا اللّه ولا نشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون اللّه تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون » . ودفع بكتاب هرقل إلى دحية بن خليفة الكلبي ، وبكتاب كسرى إلى عبد اللّه بن حذافة السّهمي . وبكتاب النجاشي إلى عمرو بن أمية الضّمري ، وبكتاب المقوقس إلى حاطب بن أبي بلتعة ، وبكتاب ملكي عمان إلى عمرو بن العاص السّهمي ، وبكتاب ملكي اليمامة إلى سليط بن عمرو ، وبكتاب ملك البحرين إلى العلاء بن الحضرمي ، وبكتاب الحارث الغسّاني ملك تخوم الشام إلى شجاع بن وهب الأسدي ، وبكتاب الحارث الحميري ملك اليمن إلى المهاجر بن أمية المخزومي . وانطلق هؤلاء جميعا كلّ إلى حيث أرسله النبي . انطلقوا في وقت واحد على قول أكثر المؤرّخين ، وانطلقوا في أوقات مختلفة على قول بعضهم . أليس إرسال محمد هؤلاء الرسل عجبا يثير الدهشة ! أوليس أشد إثارة للدهشة ألا تمضي ثلاثون عاما بعد ذلك حتى تصبح هذه البلاد التي أرسل محمد إليها رسله وقد فتحها المسلمون ودان أكثرها بالإسلام ! لكن هذه الدهشة ما تلبث أن تزول حين تذكر أن الإمبراطوريتين اللتين كانت تزعمان تحضير عالم ذلك العصر ، وكانت حضارتهما هي الغالبة على العالم كله ، إنما كانتا تتنازعان الغلب المادي ، على حين كانت القوة الروحية فيهما جميعا قد انحلت واضمحلّت . فقد كانت فارس مقسمة بين الوثنية والمجوسية . وكانت مسيحية بزنطية قد اضطربت بين مختلف المذاهب والفرق فلم تظل عقيدة سليمة تحرك القلوب وتقويها ، بل انقلبت رسوما وتقاليد يهيمن بها رجال الدين على عقول السواد لحكمه واستغلاله . أما الدعوة الجديدة التي يدعو محمد إليها فكانت

--> ( 1 ) اختلف في وزن هذه الكلمة ومعناها . ومن معاني الأريسيين الخدم والحشم . يريد أنه مسؤول عن إثم رعيته لصده إياهم عن الدين . ( راجع نهاية ابن الأثير ومعجمات اللغة مادة « أرس » ) .